صديق الحسيني القنوجي البخاري

131

فتح البيان في مقاصد القرآن

تدخلوها » « 1 » ، ومن المعلوم أن الطاعون ضرب الجن للإنس فهو أرضي لا سماوي وإنما قيل فيه من السماء لأن القضاء به يقع فيها ، قال الجلال السيوطي فهلك منهم في ساعة سبعون ألفا أو أقل انتهى ، وهذا الوباء غير الذي حل بهم في التيه . بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي يعصون ويخرجون عن أمر اللّه تعالى ، وفي الأعراف يَظْلِمُونَ [ الأعراف : 9 ] تنبيها على أنهم جامعون بين هذين الوصفين . وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ أي طلب السقيا لقومه ، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل ، والاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ومعناه في اللغة طلب السقيا ، وفي الشرع ما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صفته من الصلاة والدعاء ، وهذا تذكير لنعمة أخرى كفروها فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وكانت العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا واسمها عليق وقيل نبغة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب ، فأعطاها موسى ، كذا قيل واللّه أعلم ، والحجر يحتمل أن يكون معينا فيكون اللام للعهد وهو الذي فر بثوبه فلما سألوه السقيا ضربه ، ويحتمل أن لا يكون معينا فتكون للجنس وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة . فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً يعني على عدد أسباط بني إسرائيل والمعنى فضربه فانفجرت والانفجار الانشقاق وانفجر الماء انفتح ، قال المفسرون انفجرت وانبجست بمعنى واحد وقيل انبجست عرقت ، وانفجرت سالت ، قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجرا مربعا يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضرب موسى سالت العيون ، وإذا استغنوا عن الماء جفت . قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ المشرب موضع الشرب وقيل هو المشروب نفسه ، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم ، قيل كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها ، والأسباط ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب وكل عين تسيل في قناة إلى سبط ، وكانوا ستمائة ألف ، وسعة العسكر اثنا عشر ميلا . كُلُوا أي قلنا لهم كلوا المن والسلوى وَاشْرَبُوا أي الماء المتفجر من الحجر مِنْ رِزْقِ اللَّهِ فهذا كله من رزقة كان يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة ولا تعثوا في الأرض مفسدين عثى يعثي عثيا وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا لغات بمعنى أفسد ، قال في الكشاف العثى أشد الفساد فقيل لهم لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه انتهى ، وفي هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه السّلام

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الطب باب 30 ، ومسلم في السّلام حديث 92 ، 93 ، 94 ، 98 ، 100 .